Loading...
Loading...
أبو إدريس الخولاني
أبو إدريس الخولاني، واسمه عائذ الله بن عبد الله الخولاني الدمشقي، من أجلّ علماء التابعين في بلاد الشام وأكثرهم رسوخاً في العلم والقضاء. وُلد نحو سنة ثماني الهجرة، فأدرك أواخر الحياة النبوية وإن اختُلف في صحبته.
كان أبو إدريس من أبرز تلاميذ معاذ بن جبل رضي الله عنه الذي أرسله عمر بن الخطاب إلى الشام معلماً وقاضياً. وقد استقى منه علماً وفيراً وفقهاً نبوياً أصيلاً. فضلاً عن ذلك روى عن عبادة بن الصامت وأبي الدرداء وابن عباس وأبي هريرة وواثلة بن الأسقع رضي الله عنهم.
تولى القضاء بدمشق ثم ولايتها في عهد الدولة الأموية، وكان يُضرب به المثل في العدل والتقوى وسعة العلم. وترتبط بشخصيته قصة شهيرة عن مجلس معاذ ومعنى الحب في الله، صارت من روائع التراث الإسلامي الروحي.
أجمع علماء الجرح والتعديل على توثيق أبي إدريس وتصحيح حديثه، وتظهر رواياته في الصحيحين والسنن الأربعة ومسند الإمام أحمد. خصّه الذهبي بترجمة وافرة في سير أعلام النبلاء أثنى فيها على علمه وتقواه ومكانته في تراث الشام. توفي رحمه الله نحو سنة ثمانين من الهجرة.
لا يقتصر إرث أبي إدريس الخولاني على ما خلّفه من مرويات حديثية، بل يمتد ليشمل دوره الريادي في تأسيس الهوية العلمية للإسلام في بلاد الشام. وبجمعه بين ولاية دمشق والمرجعية الفقهية والحديثية، رسم نموذجاً للعالم الحاكم ظل حاضراً في المخيال الإسلامي جيلاً بعد جيل. واستمر تأثيره في طلابه الذين حملوا علمه إلى من جاء بعدهم من أمثال الأوزاعي الذي أكمل بناء المدرسة الشامية الكبرى.
ويكتسب موروث أبي إدريس الخولاني أهمية مضاعفة من كونه حافظاً على ما قاله معاذ بن جبل رضي الله عنه في الشام بعد أن أرسله عمر رضي الله عنه معلماً لأهلها. فكان نقل علم معاذ عبر أبي إدريس ضامناً لاستمرار منهج المعلم الكبير في قلب الحضارة الشامية الإسلامية الناشئة. وقد شهدت بلاد الشام بعده ازدهاراً علمياً أسهم فيه تلاميذه أيّما إسهام.
No linked books yet.