Loading...
Loading...
بكير بن عبد الله بن الأشجّ
بكير بن عبد الله بن الأشجّ من ثقات التابعين ومحدثي المدينة الذين استوطنوا مصر ونشروا فيها علم الحجاز. نشأ بالمدينة المنورة فتتلمذ على سليمان بن يسار — أحد الفقهاء السبعة — وعلى نافع مولى ابن عمر وكُريب مولى ابن عباس وغيرهم من أعلام المدرسة المدنية.
انتقل إلى مصر ضمن حركة العلماء الحجازيين الذين توسعوا في الأقاليم الإسلامية المفتوحة، فأسهم في تأسيس تيار علمي مصري مستقل يستمد جذوره من الموروث المدني. وأشهر ما يُعرف به بكير أن الإمام مالك بن أنس روى عنه في الموطأ، وكان مالك شديد الانتقاء لمن يروي عنه، فروايته عن بكير تعدّ توثيقاً رفيعاً لمكانته العلمية.
تظهر رواياته في صحيح مسلم وسنن أبي داود والنسائي وابن ماجه. ووثّقه ابن حجر في تقريب التهذيب وصنّفه في ثقات التابعين. توفي رحمه الله نحو سنة سبع وعشرين ومئة من الهجرة بمصر، تاركاً أثراً مهماً في مسيرة نشر الحديث المدني في أرض الكنانة.
كان انتقال بكير من المدينة إلى مصر نموذجاً لما شهده العالم الإسلامي من انتقال بذور العلم الحجازي إلى الأقطار المفتوحة. وقد أرسى بكير ومن سار على نهجه دعائم تقليد حديثي مصري متشرّب بمنهج المدينة في الضبط والإتقان، وهو التقليد الذي ستبنى عليه المدرسة المالكية بمصر وشمال أفريقيا في القرون التالية. ويبقى اسم بكير علامةً على أهمية الرواة الذين حملوا العلم من مراكزه الأولى إلى أمصار الإسلام النامية.
يُجسّد بكير بن عبد الله الأشجّ كيف أن العلماء المدنيين الذين هاجروا إلى الأمصار الجديدة لم يكونوا مجرد ناقلين للمعلومات، بل كانوا مؤسسين لتقاليد علمية جديدة. فبانتقاله إلى مصر لم يحمل معه المرويات وحدها، بل حمل أيضاً منهج المدينة في التمحيص والإتقان. وقد أثمر ذلك في تشييد صرح التقليد الحديثي المصري الذي استوعبه لاحقاً المذهب المالكي بشمال أفريقيا.
No linked books yet.