الناسخ والمنسوخ: النسخ في القرآن الكريم
Suggest editالتعريف والأساس القرآني
الناسخ والمنسوخ علمٌ من علوم القرآن يبحث في رفع حكم شرعي سابق بنص لاحق. والناسخ هو النص الرافع للحكم الأول، والمنسوخ هو الحكم المرفوع. وقد أقرّ القرآن الكريم هذا المبدأ صراحةً: «مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (البقرة: 106). وفي هذا إقرارٌ إلهي بأن التشريع يتدرّج وفق مصالح المكلفين وما يُناسب أحوالهم.
أنواع النسخ
قسّم العلماء النسخ أنواعاً: نسخ التلاوة والحكم معاً، ونسخ التلاوة دون الحكم — كآية الشيخ والشيخة على ما رُوي عن عمر — ونسخ الحكم دون التلاوة وهو الأكثر. ومثال الأخير: مضاعفة مدة عدة الوفاة التي كانت سنةً كاملة ثم نُسخت إلى أربعة أشهر وعشر. وكذلك تحريم الخمر الذي جاء تدريجياً حتى اكتمل الحكم القطعي بتحريمها.
الحكمة من النسخ
الحكمة من النسخ عظيمة: فالتشريع الإسلامي لم ينزل دفعةً واحدة بل تدرّج على مدى ثلاثة وعشرين عاماً رفقاً بالمكلفين وإعداداً لهم. فكان الانتقال من المجتمع الجاهلي إلى المجتمع الإسلامي يستلزم تمهيداً وتدرّجاً. وقد نبّه ابن القيم رحمه الله إلى أن النسخ دليلٌ على كمال هذه الشريعة وعلم الله بأحوال عباده وحاجاتهم.
أمثلة مشهورة على النسخ
من أشهر الأمثلة: نسخ استقبال بيت المقدس في الصلاة باستقبال الكعبة المشرفة. ونسخ التوجه إلى الصلاة بأذان لا بأصوات أخرى. ونسخ حكم الجلوس مع المشركين في جماعاتهم. ونسخ حكم استمرار الصيام حتى الليل التالي بإباحة الأكل والشرب ليلاً في رمضان. وهذه الأمثلة توضّح كيف استجابت الشريعة لتطور أحوال المجتمع الإسلامي.
مذهب أهل السنة في النسخ
يُثبت أهل السنة النسخ ويُقرّون بوقوعه في القرآن والسنة. ويرفضون موقف من ينكر النسخ مطلقاً كبعض المعتزلة الذين رأوا أن الله لا يتناقض كلامه. والردّ عليهم أن النسخ ليس تناقضاً بل تشريعٌ مرحلي يراعي مصلحة المكلفين وفق علم الله الشامل بأحوالهم وما يُناسبهم في كل مرحلة.
أثر النسخ في الفقه
معرفة الناسخ والمنسوخ ضرورة قصوى للفقيه، إذ لو أفتى بالمنسوخ دون علم بناسخه لأفتى بحكم مُلغى. وقد أُلّفت كتب مستقلة في هذا الباب، أشهرها «الناسخ والمنسوخ» لابن حزم و«نواسخ القرآن» لابن الجوزي. والمتأمل في هذا العلم يُدرك دقة المنهج القرآني في التشريع وعنايته الفائقة بمصالح الأمة الإسلامية.