القدر: ركن الإيمان السادس
Suggest editالتعريف والمكانة في الإيمان
القدر هو علم الله الأزلي بالأشياء قبل وجودها وكتابته لها وإرادته لوقوعها ومشيئته في ذلك. وهو الركن السادس والأخير من أركان الإيمان. لما سأل جبريل عليه السلام النبيَّ ﷺ عن الإيمان قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره» (رواه مسلم). فالإيمان بالقدر ليس أمراً هامشياً بل من صميم العقيدة الإسلامية.
مراتب القدر الأربع
لخّص أهل السنة الإيمان بالقدر في أربع مراتب: أولاً العلم: الإيمان بأن الله يعلم كل شيء قبل وجوده. ثانياً الكتابة: الإيمان بأن الله كتب كل شيء في اللوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. ثالثاً المشيئة: الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. رابعاً الخلق: الإيمان بأن الله خالق كل شيء. قال تعالى: «إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ» (القمر: 49).
القدر لا ينفي الاختيار والمسؤولية
من أعظم مسائل القدر أن الإيمان به لا يُلغي مسؤولية الإنسان عن أفعاله. فالله خلق للإنسان إرادةً واختياراً وجعله مكلفاً بناءً على هذا الاختيار. وقد استدل النبي ﷺ على وجوب الأخذ بالأسباب مع الإيمان بالقدر حين سأله رجل: أنترك العلاج ونتوكل؟ فقال: «اعقلها وتوكل». فالجمع بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله هو منهج الإسلام.
الشبهات المثارة حول القدر
يُثير بعض الناس شبهة التعارض بين القدر والعدل الإلهي، قائلين: كيف يُعاقَب الإنسان على فعل كتبه الله عليه؟ والجواب: أن الله كتب الأشياء بعلمه السابق بما سيختاره الإنسان باختياره الحر، لا أنه أجبره على الفعل ثم عاقبه عليه. فالعلم بالشيء لا يستلزم الإجبار عليه، كما أن عِلم الطبيب بسلوك مريضه لا يجبره على ذلك السلوك.
أثر الإيمان بالقدر في حياة المسلم
الإيمان الصحيح بالقدر يُثمر في قلب المسلم ثمرات نفسية وروحية عظيمة: فهو يُورث الرضا عند المصائب لأن المؤمن يعلم أنها بقدر الله وفيها الخير. ويُورث الشكر عند النعم إذ يعلم أنها من الله. ويُورث الشجاعة عند الأهوال إذ يعلم أن الأجل لا يتقدم ولا يتأخر. قال النبي ﷺ: «واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك» (رواه أحمد والطبراني بسند صحيح).
مذاهب الضلال في القدر
انحرفت فرق عن الصراط القويم في مسألة القدر: فالجبرية قالوا إن الإنسان مجبور لا اختيار له، وأبطلوا بذلك المسؤولية والتكليف. والقدرية والمعتزلة قالوا إن أفعال العباد مستقلة عن مشيئة الله، وأثبتوا بذلك شريكاً في الخلق والتأثير. وأهل السنة أخذوا بالوسط الحق: إثبات علم الله وإرادته وخلقه لأفعال العباد مع إثبات اختيار الإنسان ومسؤوليته الكاملة.