رجب
Suggest edit## رجب
رجبٌ هو الشهر السابع من أشهر السنة الهجرية، وهو أحد الأشهر الحُرُم الأربعة التي حرَّم الله القتال فيها، وقد عظَّمه العرب في الجاهلية تعظيماً بالغاً قبل مجيء الإسلام. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾، وهذه الأشهر الأربعة الحُرُم هي: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، ومحرَّم.
### رجب في الجاهلية والإسلام
كان العرب في الجاهلية يعظِّمون رجباً تعظيماً بالغاً، إذ كانوا يمتنعون عن القتال فيه ويتعبَّدون بطرق خاصة توارثوها عن آبائهم. ومن عاداتهم في رجب أنهم كانوا يذبحون ذبائح يُسمُّونها «العتيرة» أو «الرجبية»، وقد ثبت في حديث عن النبي ﷺ أنه نُسِخَ هذا الحكم في الإسلام. وقد جاء الإسلام مُثبِّتاً لتعظيم رجب بوصفه شهراً حراماً، ومُلغِياً ما علق به من بدع الجاهلية وممارسات لا دليل عليها.
وقد حثَّ النبي ﷺ على احترام الأشهر الحرم وصيانة حرمتها، وذلك ببعدها عن المعاصي والآثام لا سيما. قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾: «الظلم في الأشهر الحرم أشدُّ وأعظم إثماً منه في سائر الشهور، وإن كان الظلم على كل حال عظيماً».
### ليلة الإسراء والمعراج
يرتبط شهر رجب في أذهان كثير من المسلمين بليلة الإسراء والمعراج، وهي الليلة العظيمة التي أسرى الله فيها بنبيِّه ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به إلى السماوات العُلا وما وراءها. قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
وقد تعددت الأقوال في تحديد تاريخ الإسراء والمعراج؛ فمنهم من قال إنه كان في رجب، ومنهم من قال في ربيع الأول، ومنهم من قال في رمضان، ولم يصح في تحديد تاريخه دليلٌ قاطع. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: «لم يثبت في تعيين شهر المعراج ولا يومه شيءٌ يُعتمد عليه». غير أن كثيراً من الناس قد درجوا على احتفاء هذه الليلة في السابع والعشرين من رجب، والأولى للمسلم أن يتذكَّر عظمة هذه الحادثة الجليلة دون التزام تاريخ لم يثبت قطعاً.
وتُعدُّ رحلة الإسراء والمعراج من أعظم معجزات النبي ﷺ، إذ تحدَّث فيها إلى الأنبياء السابقين عليهم السلام، وشاهد آيات الجنة والنار، وعادت بالصلوات الخمس فريضةً على المسلمين بعد أن كانت خمسين صلاة فخفَّفها الله رحمةً بهذه الأمة.
### فضل الصيام في رجب
اشتهر بين الناس أن لصيام رجب فضلاً خاصاً، غير أن العلماء المحققين قرَّروا أنه لم يصح في فضل صيام رجب بالخصوص حديثٌ صحيح مرفوع إلى النبي ﷺ. وقد نبَّه الحافظ ابن حجر والإمام ابن القيم وغيرهم على أن الأحاديث الواردة في فضل رجب منها الضعيف والموضوع، وأن المسلم ينبغي ألَّا يتعبَّد بما لم يثبت.
وقد أجاز جمهور العلماء صيام التطوع في رجب كما يجوز في سائر الشهور، بشرط ألَّا يعتقد المسلم أن له فضلاً مخصوصاً ثبت بنص صحيح، فإن الصيام التطوعي مستحبٌّ في كل وقت لمن قدر عليه. أما ما كان يفعله بعض الناس من تخصيص رجب كله بالصيام على اعتبار أن له مكانةً خاصة كرمضان، فهذا مما نهى عنه كثيرٌ من العلماء.
### الأحكام الشرعية للأشهر الحرم
من الأحكام الثابتة للأشهر الحرم ومنها رجب أن الذنب فيها أعظم إثماً منه في سائر الأشهر، وأن الإنسان ينبغي أن يزداد فيها حذراً ومراقبةً لله واستغفاراً وتوبة. وقد كان الجهاد المبتدأ — أي الهجوم على الأعداء — محرَّماً في الأشهر الحرم في أول الإسلام، ثم اختلف العلماء في حكم ذلك هل نُسِخَ أم بقي على أصله. والراجح عند كثير من المحققين أنه نُسِخَ بآيات الجهاد المطلق وبفعل النبي ﷺ حين أذن بالقتال في بعض الأشهر الحرم لمصلحة راجحة.
### خلاصة
رجبٌ شهرٌ حرامٌ عظيم تثبت له مكانة خاصة في الشرع الإسلامي بوصفه أحد الأشهر الأربعة الحرم. وخير ما يفعله المسلم فيه هو تعظيم حرماته، والاجتناب عن المعاصي التي إثمها فيه مضاعَف، والإكثار من الذكر والتوبة والاستغفار. وأما ما يُتداول من فضائل خاصة لرجب لم يثبت دليلها الصحيح، فإن المسلم يتوقَّف عنها أدباً مع الشرع واتباعاً لمنهج أهل السنة والجماعة.
Last updated: 3/9/2026